المنجي بوسنينة
36
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
المركزية ذاتها عن اتخاذ التدابير للتقرب من سكّان الدواخل ، فقد انتقد المترجم له مثلا بشدة مسير عليّ باي بمحلة الشتاء إلى القيروان خلال هذه السنة بالذات و « عدم مسيره في محلّة الصيف إلى باجة » بما يفيد تبرّمه وقلقه وعدم اتّعاظ أولي الأمر من أحداث الماضي القريب منها والبعيد . والأكيد أنّ اهتمام محمد بن محمد الصغيّر بن يوسف الباجي بالكتابة ، والكتابة التاريخية تحديدا ، يندرج ضمن هذا السياق فالتأليف كان أوّلا وأساسا مدخلا لإبلاغ موعظة وتقديم درس وإيصال رسالة قبل أن يكون الإعلام بأخبار أو سرد أحداث . كما يبدو أنّ اتّساع شبكة علاقاته وصداقاته ، والتصاقه اليومي بالأحداث وتحوّلاتها ، زيادة على شغفه بتسقّط الأخبار . . . قد ولّدت فيه أيضا هذه الرغبة في الإفادة بما تيسّر لديه من معلومات تاريخيّة ، بيد أننا نجانب الصواب إن لم نبيّن أيضا استفادة محمد بن محمد بن يوسف الباجي من مجمل مطالعاته الخاصة بما يشي بانكبابه على أمّهات التآليف المختصّة لدراستها والغوص في مادّتها والانتفاع بثراء محتوياتها ، وبما يعني توفّر مكتبة معتبرة لديه بإشارته مرّات إلى ذلك ، وبدليل حصوله على أحدث ما استقدمه عليّ باشا من تآليف وبالخصوص كتاب « العبر » لابن خلدون واعتماده إيّاه بإطناب في بعض تآليفه . وإزاء هذا التحصيل المعرفيّ ، نقف حائرين وسط حكمين متناقضين بشأن المترجم له : فعلى حين قلّل البعض من مكانة محمد بن محمد الصغيّر بن يوسف الباجي متّهما إيّاه بجهلة حتّى اللغة الفصيحة بل هو « لم يتعلّمها » إطلاقا ، وذهب آخرون إلى اعتباره « عالما نحريرا ، موقّرا عند الأمراء والعامّة » والأكيد أنّ الحقيقة تكمن بعيدا عن الطرفين : ذلك أنّ المترجم له قد انتفع لا محالة بقدر من العلم والتحصيل دون أن يؤهّله ذلك إلى الارتقاء إلى مرتبة العلماء ، كما أنّ استعماله اللهجة المحلّية « العاميّة » في تآليفه لا ينقص في شيء من قيمة تحصيله ، سيّما إن كان استعمال ذلك يتنزّل بغاية تقريب الفهم وإبلاغ الخبر بيسر بعيدا عن التحذلق في تخيّر اللفظ وتنميقه سيّما أنّ الباجي كان قد صدّر كتابه « المشرع الملكي » بالتنكيت على أولئك المعسّرين في أمر الكتابة المتكلفين في انتفاء ألفاظها حدّ الإغراب . وعلى أيّ حال فإنّ ما توفّر بتآليف أبي عبد اللّه محمد بن محمد الصغيّر بن يوسف الباجي من حكم تراثيّة ومأثورات أخلاقية وأبيات شعريّة وآيات قرآنية مضمّنة أو مقتبسة ، فضلا عمّا توفّر بها من معلومات تاريخية ومعطيات جغرافية ودقّة ملاحظات واستنتاجات . . . جميع ذلك يؤكّد أنّ المترجم له كان أقرب إلى الانسان المثقّف الذي حنّكته المحن والأيّام منه إلى الإنسان العالم . آثاره 1 - المشرع الملكي في سلطنة أولاد عليّ التركي . يعتبر هذا الكتاب أهمّ تآليفه ، وهو سفر ما زال مخطوطا في أغلبه في المكتبة الوطنية ، تونس 1989 ، رغم قيام بعض الباحثين بتحقيقه جزئيّا ، وقد بدأ صاحبه في تأليفه سنة 1177 ه / 63 - 1764 م ، وهو محاولة في رصد أهمّ محطّات تاريخ تونس منذ وصول حسين بن عليّ إلى السلطة حتّى فترة عليّ باي . وقد قسّمه إلى أربعة أبواب ، أجمل في الباب الأوّل مآثر أوّل البايات أخذا